عبد الملك الجويني
175
الشامل في أصول الدين
والذي يحقق ذلك : أن الذوات القائمة بأنفسها لا يوجب بعضها حكما لبعض ، من حيث لم يقم بعضها ببعض . ولهذا استحال أن يوجب جوهر حكما لجوهر من حيث لا يوجد أحدهما قائما بالثاني ، ووضوح ذلك يغني عن الاطناب فيه ، فهذا لو قال الخصم : إن أحد القديمين يمنع الآخر عن وجه من الإرادة بنفسه . ولو قال : إنه يمنعه بإرادته ؛ لكان الكلام في ذلك كالكلام فيما سبق . فإن إرادة أحد [ القديمين ] قائمة به اختصاصا يستحيل أن يؤثر في الذات التي لم تقم بها ، كما يستحيل أن يريد مريد لإرادة تقوم بغيره ، فكذلك يستحيل أن يثبت لذات حكم لإرادة تقوم بغيره . ويبطل ذلك أيضا لما قدمناه من أن صحة ما ادعينا صحته ، راجع إلى نفس الإرادة ، ويستحيل خروج الشيء عن صفة نفسه لإرادة تتعلق بغيره تعلق قيام . والذي يوضح ذلك : أن لو جاز تناقض حكمي إرادتين مع قيامهما بمحلين ؛ لجاز تضادهما على المحلين . فإذا امتنع التضاد لتعدد المحلين ، امتنع تناقض الحكمين بمثل ذلك . والذي يقرر ما قلناه : أن الإرادة إنما تؤثر في الحدوث كما سنقرر في أحكام الإرادة ، إن شاء اللّه عز وجل . فأنّى يستقيم مع ذلك تأثير إحدى الإرادتين في قضية الإرادة الأخرى مع قدمهما ؟ فاستبان بذلك قطع القول بأن الاجتماع لا يؤثر في قضية بغير الإرادة . وإن قال الخصم : إنما امتنع ما قلتموه لصفة أخرى من صفات [ أحد ] القديمين دون الآخر ، كان الرد عليه كما قلناه حرفا حرفا . قال الأستاذ أبو إسحاق : ما وجّه الزائغون في التوحيد سؤالا إلا وقدر تسليمه لازداد حجاج أهل الحق وضوحا . ووجه تقرير ذلك في هذا السؤال : أن الذي نحاذره في إثبات القديمين تمانع في الفعلين . فإذا ادعى الخصم امتناع قضية من قضايا الإرادة ، لولا الاجتماع ، لما امتنعت . فهذا أعظم ما نبغيه ، فإن [ المنع ] من قضية الصفة القديمة ، أعظم من المنع من قبيل الأفعال . فإن قال قائل : هذا الذي قدمتموه يبطل عليكم ، وذلك أن الجوهرين إذا تماسا فيثبت لكل واحد منهما حكم التماس عند الاجتماع ، مع مصيركم إلى أن الجوهر إنما يماس ما يماسه لقيام المماسة به لا لقيام المماسة بالثاني ، ومع ذلك لا يجوز تقدير قيام المماسة بالجوهر الفرد ، فقد وضح مخالفة حكم الاجتماع حكم الانفراد ، مع أنه لا يثبت الحكم عند الاجتماع إلا لقيام المعنى بذات الجوهر على الاختصاص .